سوف نتناول في هذه الحلقة الموضوع الأول في هذه الدراسة وهو لماذا هذه الصرخة أخذت مكاناً كبيراً في قلوب وعقول الكثيرين من رجال الله وكانت العمود الفقري والمحور الرئيسي في حياة هؤلاء العظماء

SOC-WindosMedia-Logo.jpg SOC-PowerPoint.jpg SOC-pdf-logo.jpg SOC-Q.jpg SOC-Word.jpg
MP3 الحلقة كـ WMV الحلقة كـ P-Point الحلقة كـ PDF الحلقة كـ أسئلة الحلقة word الحلقة كـ

 

شخصية الله – حلقة 2- أهمية معرفة الله

في الحلقة الاولى تناولنا مقدمة عن دراسة شخصية الله ورأينا الصرخة المدوية في قلب رجال الله سواء في العهد القديم أوالعهد الجديد, صرخة قلب جائع الى معرفة وادراك من هو الله و ماهي طرقه وصفاته, صرخة احتياج إلى هذه المعرفة المحيية والمغيرة للحياة.

سوف نتناول في هذه الحلقة الموضوع الأول في هذه الدراسة وهو لماذا هذه الصرخة أخذت مكاناً كبيراً في قلوب وعقول الكثيرين من رجال الله وكانت العمود الفقري والمحور الرئيسي في حياة هؤلاء.

أهمية معرفة الله

ترجع أهمية معرفة شخصية الله للأسباب الآتية:

1. تقودنا إلى المحبة الحقيقية لله:

المحبة الحقيقية لله هي أن نحبه لشخصه ولذاته وليس لعطاياه وأعماله، وهذا ما تصنعه معرفتنا لله, لأنه كثيراً ما كان تعلقنا وحبنا لله بسبب عطاياه التي ننتظرها منه، فنحبه لأنه أعطانا الغفران والحماية والعناية والرعاية، أو أعطانا مؤمنين للشركة معهم، أو لأنه يسمع لصلواتنا وطلباتنا.

لذلك تفتر محبتنا لله في أوقات كثيرة بسبب ظروف حياتنا الصعبة أو بسبب إحساسنا بأن الله لا يباركنا كما كان يباركنا من قبل أو بسبب موقف قاسي مررنا به نحن أو أحد أفراد العائلة فنحزن ظناً منا أن الله قد ابتعد عنا.

وهذا بالضبط ما يحدث مع الأطفال, فالطفل الصغير منذ ولادته وخلال مرحلة الطفولة يعتمد على والديه اعتماداً كاملاً في كل شيء, وكل ما يطلبه في البداية هو مجرد طلبات مثل الحب والحنان والرعاية والدفء, فالعلاقة بين الطفل ووالديه مرتبطة بالعطايا ولكن عندما يكبر الطفل وينضج لاتستمر العلاقة هكذا وإلا تكون علاقة غير صحية.

نحن كمؤمنين أكثر شئ يبهرنا في علاقتنا مع الله هو تسديد الاحتياجات، وهذا حقيقي فالله قدم المسيح لأجلي في عدم استحقاق وهذه هي النعمة وتعريفها أنها هي العطاء لمن لايستحق.

ولكن إذا استمرت علاقتي بالله مبنية على استقبال العطايا وتسديد الاحتياجات، فلن تكون هذه العلاقة علاقة ناضجة لأني أحبه من أجل عطاياه, فمن الذي يستحق الثناء والتقدير والإكرام اللوحة الزيتية أم الفنان الذي قام برسمها؟

ومن هو الأعظم في قلبي, العطية أم المعطي؟

ومن هو الأروع في نظري الخليقة أم الخالق؟

لأجل ذلك عندما نعرف الله وندركه جيداً نحبه؛ نحب الشخص لشخصه مهما كانت ظروف حياتنا جيدة أم سيئة، مواتية أم معاكسة، يجيب طلباتنا أم لا، فهذا لن يغير من عظم مجده ولا روعة جلاله وبهائه في أعيننا، لأننا نحبه لذاته ولشخصه وليس لعطاياه.

عندما نعرف الله ونحبه لأجل ذاته وليس لأجل عطاياه، فإن محبتنا له تزداد يوماً فيوم، ولأن معرفتنا به تزداد يوماً فيوم ولأنه غير محدود وأبدي فإن معرفتنا به ليس لها نهاية وأبدية. لذا فإننا سوف نظل نعرفه ما حيينا ونحبه قدرطاقتنا ليس هنا على الأرض فقط بل سوف نُكمل هذه المعرفة وهذا الحب في الأبدية.

” وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ”(يو17: 26)

إن مصدر الحب الحقيقي الثابت الغير متغير بتغيير الظروف والاحداث الذي نستطيع أن نحب به الله هو معرفتنا الحقيقية بشخصه.

وعندما تدرك الله على حقيقته وتدرك صفاته، سوف تقع أسيراً للحب الإلهي الفائق المعرفة، وهذا ما تحدث الرسول بولس عنه وهو يصف محبة المسيح: “وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ”. (أف3: 18, 19)

هل أنت منبهر ومأسور بجمال وجلال الله؟ هل تستطيع أن تقول مع كاتب المزمور: “فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ. مُتَكَلِّمٌ أَنَا بِإِنْشَائِي لِلْمَلِكِ. لِسَانِي قَلَمُ كَاتِبٍ مَاهِرٍ. أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي الْبَشَرِ. انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ لِذَلِكَ بَارَكَكَ اللهُ إِلَى الأَبَد”ِ.(مز45: 1, 2)

هل تصدق أو تتخيل أن محبة الله لنا أكبر وأعظم من الصليب رغم عظمة وقوة عمل الله في الصليب، وذلك لأن محبة الله الفائقة والمتدفقة هي السبب الحقيقي الوحيد للصليب.

بعض اللوحات الفنية الزيتية تظهر جميلة ورائعة وأنت تشاهدها من مسافة بعيدة وعندما تقترب تظن أنك سوف تشاهد الأروع في تلك اللوحة ولكنك تندهش إذ يصطدم بصرك ببعض العيوب التي ارتكبها الفنان وهو يرسم اللوحة فهو لم يكن دقيقاً في رسمها.

في علاقاتنا الإنسانية دائماً ما يحدث نفس هذا الأمر. نتعرف على شخص ما ونُعجب به فنُقررأننا سوف نقترب منه أكثر لندخل في علاقة أعمق وهنا نصطدم بعيوبه وضعفاته الشخصية فيقل إعجابنا به، هكذا بعض الناس نراهم من بعيد رائعين ولكن عندما نقترب منهم نرى الغيرة والحسد وصغر النفس فيقل إعجابنا بهم. ولكن هناك شخص واحد وحيد كلما اقتربنا منه كلما ازداد إعجابنا به لأنه بلا عيوب فكلما اقتربنا منه أكثر نرى روعة جماله وبهائه ونتلامس مع جلاله ومجده فنجد نفوسنا منبهرة ومتعلقة به.. لا تريد سوى أن تعرفه أكثر وأكثر، ولأنه شخص غير محدود فلا حدود لجماله وجلاله ولا حدود لإعلاناته عن نفسه، لذلك من المستحيل أن نصاب بالملل في معرفتنا وعلاقتنا بالله.

“بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ”. (1كو2: 9)

2. هي أساس للثقة واليقين في الله

الثقة بين طرفين مبنية على مدى المعرفة بينهما وبين بعضهما البعض، وهل هو أهلاً لها أم لا، فهناك علاقة قوية جداً بين الثقة والمعرفة, أي أن هناك علاقة بين الثقة والإيمان في الله وبين معرفته معرفة حقيقية.

مرات كثيرة نطلب من الله أن يُزيد إيماننا لأن إيماننا ضعيف، فننظر إلى داخلنا فنجد أنه لا يوجد إيمان كافٍ ونصرخ متسائلين أين ذهب الإيمان؟ وكأن الإيمان شئ وضعه الله بداخلنا وكل يوم أزيده وأخزنه وأخفيه ووقت ال

حاجة أخرجه وأستخدمه …هل هذا هو الإيمان ؟ أم أنه ينتج عن قربي لله ورؤيتي له ومعرفتي به وعيناي المثبتة عليه؟ الله أهلاً للثقة ويمكننا أن نضع كل ثقتنا فيه. وهذا عينه ما يذكره الرسول بولس في رسالته الثانية إلى تيموثاوس: ” لِهَذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هَذِهِ الأُمُورَ أَيْضاً. لَكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ.” ( 2تي 1: 12 )

فيُصرح هنا بالسبب الرئيسي الذي من أجله يحتمل المشقات والمخاطر والالام وذلك بأن يعلن أنه عالم بمن قد آمن ، فهو يعرف الله جيداً وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعته إلى ذلك اليوم. إنه لا يخاف من شيئاً ليس بسبب شجاعته بل لأنه قد وضع إيمانه وثقته في الشخص الذي يعرف قدرته وأمانته.

وفي الآية التالية، نرى كاتب المزمور التاسع يعلن نفس الحقيقة أنه لايمكن أن يتكل على الله إلا الذين يعرفونه معرفة حقيقية فهم الذين يستطيعون أن يضعوا ثقتهم بكل جرأة في شخص الله دون خوف من النتائج:

“وَيَتَّكِلُ عَلَيْكَ الْعَارِفُونَ اسْمَكَ. لأَنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ طَالِبِيكَ يَا رَبُّ”. (مز9: 10)

ليس الإيمان بالمسيح هو الثقة في أنفسنا أو في المبادئ المسيحية رغم أن هذه المبادئ صحيحة وصالحة بل الإيمان المسيحي هو الإيمان به هو ( بالله ). لذا إيماننا ينمو بقدر معرفتنا به فكلما ازدادت معرفتنا به وتعمقت فيه (المعرفة تعني الفهم والإدراك والإختبار) كلما ازداد عمق إيماننا وثقتنا فيه (لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ)

ولكن يبقى السؤال الهام وهو ما الذي يدفعني إلى الثقة في الله؟

هناك ثلاث أمور هامة لابد من توافرها في الشخص الذي ينبغي أن نضع ثقتنا فيه وهي:

• يريد لنا الخير فهو صالح: وإرادته صالحة من نحونا ويعمل لصالحنا.

• يعرف لنا الخير فهو حكيم: فمن الممكن أن تجد من يحبك ويريد لك الخير ولكنه لا يعرف ما هو الخير بالنسبة لك ولا يعرف ما الذي يحقق مصلحتك أو الذي يحقق لك الخير والسعادة ، لكن إذا وجدت الشخص الذي يريد ويعرف الخير لك فستستمع إلى كلماته.

• يقدر أن يصنع لك الخير فهو قادر:

في بعض الاحيان نجد أناس مخلصين يريدون ويعرفون لنا الخير, ولكن لا يقدرون أن يصنعوا لنا الخير وبالتالي لا نستطيع أن نتكل عليهم أو نضع فيهم ثقتنا الكاملة.

لكن الله يريد ويعرف ويقدر فهو أهل ومصدر للثقة الكاملة المطلقة. إنه يريد لك أفضل شئ ويعرف أفضل شئ ويقدر أن يحقق ما يريد ” لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ “

وهذا ما نرى الرسول بولس يحياه في كل مواضع وظروف حياته، فعندما هاجت الرياح وهو في السفينة في طريقه أسيراً إلى روما للمحاكمة أمام قيصر, أعلن إيمانه في الله القدير الذي يعرفه ويثق به رغم أن كل الظروف والاحداث كانت ضد ما يتكلم به ويعلنه. يقول الكتاب: “وَلَكِنْ بَعْدَ قَلِيلٍ هَاجَتْ عَلَيْهَا رِيحٌ زَوْبَعِيَّةٌ …وَإِذْ كُنَّا فِي نَوْءٍ عَنِيفٍ جَعَلُوا يُفَرِّغُونَ … وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَمَيْنَا بِأَيْدِينَا أَثَاثَ السَّفِينَةِ. وَإِذْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ وَلاَ النُّجُومُ تَظْهَرُ أَيَّاماً كَثِيرَةً وَاشْتَدَّ عَلَيْنَا نَوْءٌ لَيْسَ بِقَلِيلٍ انْتُزِعَ أَخِيراً كُلُّ رَجَاءٍ فِي نَجَاتِنَا. فَلَمَّا حَصَلَ صَوْمٌ كَثِيرٌ حِينَئِذٍ وَقَفَ بُولُسُ فِي وَسَطِهِمْ وَقَالَ….وَالآنَ أُنْذِرُكُمْ أَنْ تُسَرُّوا لأَنَّهُ لاَ تَكُونُ خَسَارَةُ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ إِلاَّ السَّفِينَةَ. لأَنَّهُ وَقَفَ بِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ مَلاَكُ الإِلَهِ الَّذِي أَنَا لَهُ وَالَّذِي أَعْبُدُهُ قَائِلاً: لاَ تَخَفْ يَا بُولُسُ… وَهُوَذَا قَدْ وَهَبَكَ اللهُ جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ. لِذَلِكَ سُرُّوا أَيُّهَا الرِّجَالُ لأَنِّي أُومِنُ بِاللَّهِ أَنَّهُ يَكُونُ هَكَذَا كَمَا قِيلَ لِي”.(أع27: 14- 25)

وهذا هو نفس ما أراد الرب يسوع أن يُعلمه لتلاميذه ولبطرس عندما الزمهم أن يدخلوا إلى السفينة وينتقلوا إلى الجهة الأخرى من البحيرة فهاجت الأمواج وتقاذفت السفينة التي كان التلاميذ فيها وبينما هم في هذه المحنة أبصروا السيد أتيا ماشياً على الماء، كما يقول الكتاب: “وَفِي الْهَزِيعِ الرَّابِعِ مِنَ اللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ. فَلَمَّا أَبْصَرَهُ التَّلاَمِيذُ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ اضْطَرَبُوا قَائِلِينَ: «إِنَّهُ خَيَالٌ». وَمِنَ الْخَوْفِ صَرَخُوا! فَلِلْوَقْتِ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا». فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ فَمُرْنِي أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَلَى الْمَاءِ». فَقَالَ: «تَعَالَ». فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ لِيَأْتِيَ إِلَى يَسُوعَ. وَلَكِنْ لَمَّا رَأَى الرِّيحَ شَدِيدَةً خَافَ. وَإِذِ ابْتَدَأَ يَغْرَقُ صَرَخَ: «يَا رَبُّ نَجِّنِي». فَفِي الْحَالِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: «يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ لِمَاذَا شَكَكْتَ؟» وَلَمَّا دَخَلاَ السَّفِينَةَ سَكَنَتِ الرِّيحُ”. (مت14: 25- 32).

كان بطرس هو الشخص الذي سار على الماء وهو أيضاً نفس الشخص الذي غرق, لم يتغير أي شئ من الظروف المحيطة ببطرس لا الريح ولا المياه إذا كيف سار على المياه ثم كيف غرق ثم سار مرة أخرى ودخل السفينة مع يسوع؟ كيف حدث هذا؟ في البداية نظر بطرس للرب يسوع ووضع ثقته به واستطاع أن يمشى على المياه ولكن لما نظر الريح والبحر ارتاب في نفسه واهتزت معرفته فتبخرإيمانه.

فالمعرفة الحقيقية بالله هي أساس الإيمان والثقة واليقين الذي يريد الله أن يملأ قلوبنا ونفوسنا به.

3. تجعلنا نتغير لصورته (حياة القداسة)

أثناء مسيرتنا مع الله ونحن نرغب في أن نعيش حياة القداسة، دائماً ما ينشأ ويوجد داخلنا الصراع سواء ضد الخطية أومع أنفسنا وطبيعتنا، فنحن نريد أن نتغير ونصير مشابهين صورة الرب يسوع.

نميز هنا طريقتين كي نصير مقدسين ومشابهين صورة الرب يسوع: الطريقة الأولى وهي أن نصارع ضد الخطية وضد رغباتنا الآثمة وميولنا الفاسدة. وفي أثناء محاولتنا المضنية لكي نحقق قداستنا نجد الفشل والهزيمة وعدم القدرة على مواصلة مسيرة التغيير، فيدب اليأس والإحباط في أوصالنا فننزوي معتقدين أن هذه الحياة المقدسة المرضية لقلب الله ليست لنا ولم نُخلق نحن لها.

أما الطريقة الثانية المنتشرة في فقرات كثيرة من الكتاب المقدس، والتي سوف نتعلمها في مدرسة المسيح، فلا تنطوي على الصراع ضد الخطية على الاطلاق أوالاهتمام بقوتي الروحية حتى أستطيع أن أصمد في هذا الصراع, بل على العكس.

فالله يدعونا إلى حياة القداسة لنكون مشابهين صورة القدوس الذي دعانا كما يقول الرسول بطرس:” بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ».” ( 1بط 1: 15 )، فالطريقة بكل بساطة هي أن نتطلع وننظر إلى مجد الله, فالصراع هنا ليس هو الجهاد ضد الخطية بل في الجهاد الذي يقودنا إلى أن نبصر الله في مجده وبهائه وقداسته… إنه الاجتهاد في معرفة وادراك الله، كما يقول الكتاب: “وَنَحْنُ جَمِيعاً نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا فِي مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ”.(2كو3: 18)

وللتفرقة بين هاتين الطريقتين في التغيير نُشبههما بمرآتين: الأولى هي المرآة التي أرى فيها نفسي بقبحها وبشاعتها وعدم استحقاقها والثانية هي المرآة الممتلئة بصورة وجمال وبهاء الله. إذا أردت أن أتغير من صورتي القبيحة إلى صورة الله الرائعة الجمال وقررت لذلك أن أقضي وقتاً طويلاً مصلياً إلى الله ناظراً في مرآتي(صورتي) التي لا تُظهر إلا نفسي بكل بشاعتها وقبحها، فهل يجعلني هذا أتغير إلى القداسة؟ بالطبع سوف يحدث العكس فأمتلئ بالفشل. وهذا ما يذكرنا به الرسول يعقوب:

“لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ سَامِعاً لِلْكَلِمَةِ وَلَيْسَ عَامِلاً، فَذَاكَ يُشْبِهُ رَجُلاً نَاظِراً وَجْهَ خِلْقَتِهِ فِي مِرْآةٍ، فَإِنَّهُ نَظَرَ ذَاتَهُ وَمَضَى، وَلِلْوَقْتِ نَسِيَ مَا هُوَ”. (يع1: 23, 24)

ولكن إذا قضيت الوقت مصلياً ناظراً إلى مرآة الله (أي إلى صورة الله) بكل جمالها وروعتها متأملاً في محبته وأمانته وقداسته، فبكل تأكيد سوف ينطبع على قلبك وفكرك صفات الله الرائعة, لأن القوة الإلهية المغيرة تكمن في معرفتنا وادراكنا لشخصه.

وللتوضيح أكثر نسوق لك هذا المثل:

شخص جرحني وأساء إليَّ ثم دخلت إلى محضر الله أصلي وأطلب منه المعونة كي أغفر له، وابتدأت في سرد تفاصيل القصة أمام الله ساكباً أمامه مشاعري المتألمة المجروحة، هل هذا يُغير من قلبي ويدفعني للغفران؟ هل بعد انتهاء الصلاة سوف أجد نفسي قد غفرت له وسامحته أم سوف يزداد غضبي منه أكثر؟ رغم أني قد طلبت من الله أن يعطيني نعمة لأسامحه فلماذا لم أسامحه؟ السبب أن كل ما فعلته في الصلاة أني نظرت إلى نفسي وللشخص الأخر الذي أخطأ في حقي والظروف والموقف الذي حدث, فزاد ألمي وجرحي.

لكن إن دخلت إلى محضر الله بجُرحي وصليت أن أرى غفران المسيح لي عن خطيتي وخطية الآخرين ورأيت رحمة الله على حياتي وحياة الآخرين … إذا صليت بهذه الطريقة سوف يتحول ويتغير قلبك من شخص يحاول أن يغفر لشخص أساء إليه, إلى شخص يجري من قلبه الغفران لجميع من يُخطئ ويسئ اليه.

بقدر إقترابنا من الله سنعرفه وندركه، ودون أن ندري سنجد أنفسنا نتغير ونتحول، وينظر الناس إلينا ويقولون لنا أننا نُشبه المسيح دون أن نطلب ذلك. أنت لا تطلب أن تتغير بل ” ناظرين مجد الرب فنتغير” والآخرين سوف يروننا أننا نشبه الرب يسوع. دعونا نراقب الله وصفاته أكثر من أن نراقب أنفسنا.

Share This